الملخص
الذكاء الاصطناعي ليس أداة واحدة متجانسة. فالأنظمة المختلفة تُبنى بقدرات وواجهات وحدود وتخصصات ومستويات وصول مختلفة. يجادل هذا التقرير الميداني بأنه قبل الحكم على نظام ذكاء اصطناعي بأنه جيد أو سيئ، ينبغي للمستخدم أولاً التأكد من أنه اختار النظام المناسب للمهمة، وفهم ما يستطيع فعله وما لا يستطيع، واختباره على عمل ممثل لاحتياجه الفعلي، وإعادة النظر في الأحكام القديمة كلما تطورت التقنية. اختيار الأداة جزء من الكفاءة في استخدام الذكاء الاصطناعي.
الكلمات المفتاحية: الذكاء الاصطناعي، اختيار النموذج، الذكاء الاصطناعي المتخصص، الذكاء الاصطناعي العام، ملاءمة القدرات، تقييم الذكاء الاصطناعي، الاشتراكات، الحكم البشري.
دافع الجزء الأول من هذه السلسلة عن التكرار الاحتياطي في الذكاء الاصطناعي: في الأعمال المهمة، قد يكون من المفيد أن ينتج نموذج العمل وأن يراجعه نموذج آخر بصورة مستقلة. لكن التكرار الاحتياطي يطرح فوراً سؤالاً آخر: ما النماذج التي ينبغي إدخالها في سير العمل أصلاً؟
هذا السؤال أهم مما يبدو. كثيراً ما يجري الحديث عن الذكاء الاصطناعي كما لو أن كل نموذج ليس سوى علامة تجارية مختلفة للمنتج نفسه. عملياً، لا تعمل هذه الأنظمة بهذه الطريقة.
بعض الأنظمة عامة وواسعة الاستخدام. وبعضها مُحسَّن للبرمجة أو البحث أو الصور أو الصوت أو الفيديو أو الأتمتة أو أغراض أكثر تخصصاً. بعض الأنظمة تستطيع استخدام أدوات خارجية وبعضها لا يستطيع. بعضُها يتعامل مع أنواع معينة من الملفات أو سياقات عمل كبيرة. وبعضها يكون أقوى عندما تبقى المهمة داخل مجال محدد.
قبل القول إن نظام ذكاء اصطناعي فشل، ينبغي للمستخدم أولاً أن يسأل نفسه: هل اخترت الذكاء الاصطناعي المناسب؟
هذا ليس تصنيفاً للنماذج
هذا المقال ليس ترتيباً دائماً لشركات الذكاء الاصطناعي أو نماذجه. مثل هذا الترتيب سيصبح قديماً بسرعة، كما أن استخدامنا الخاص أكثر تخصصاً من أن يسمح لنا بإعلان فائز عالمي يصلح لكل شيء.
قد يكون النظام ممتازاً في سير عمل معين وخياراً سيئاً في سير عمل آخر. وقد يحصل نموذج كان محدوداً قبل ستة أشهر على ترقية كبيرة. وقد تتراجع أداة كانت تتصدر فئة معينة أمام أداة أخرى. كما أن مستوى الاشتراك أو الوصول قد يغيّر ما يختبره المستخدم فعلياً.
لذلك فالسؤال المفيد ليس: «ما أفضل ذكاء اصطناعي؟»
بل: «ما الذكاء الاصطناعي الأنسب لهذه المهمة، ضمن هذه القيود، اليوم؟»
اسأل: «الأفضل في ماذا؟»
إذا كان الهدف تحرير الفيديو، فلا ينبغي اتخاذ نظام لا يملك قدرات فيديو حقيقية معياراً للحكم على الذكاء الاصطناعي في هذا المجال. وإذا كانت المهمة نشر برمجيات، فقد يبدأ النموذج الذي لا يستطيع فحص الملفات أو الأدوات المعنية من موقع ضعيف. وإذا كان العمل يعتمد على مجال تقني دقيق، فقد يتفوق نظام متخصص على نموذج أوسع استخداماً حتى لو كان النموذج العام أقوى إجمالاً.
هذا لا يجعل النموذج العام سيئاً. بل يعني أن الاختيار لم يكن مناسباً للمهمة.
المهندسون يفكرون بهذه الطريقة أصلاً عند اختيار الأدوات المادية. جهاز القياس المتعدد، وراسم الإشارة، ومفتاح العزم، والكاميرا الحرارية قد تكون جميعها أدوات ممتازة. ولا تصبح أي منها أداة سيئة لأنها لا تستطيع أن تحل محل الأدوات الأخرى.
وينبغي تقييم الذكاء الاصطناعي بالانضباط نفسه.
عدم ملاءمة القدرة ليس فشلاً للذكاء الاصطناعي
قد يؤدي عدم ملاءمة القدرة إلى استنتاج مضلل. يطلب المستخدم من النظام أن يميّز أو يولّد أو يفحص أو يعالج شيئاً لم يُصمم أو يُجهز للتعامل معه جيداً، ثم يعتبر النتيجة الضعيفة دليلاً على ضعف التقنية كلها.
“الأمر أشبه بأن تطلب من شخص مصاب بعمى الألوان أن يختار من لوحة ألوان وأن يسمّي كل لون فيها.”
— A. Remani
التشبيه متعمد في بساطته. إذا كانت المهمة تعتمد على قدرة لا يمتلكها من يُطلب منه تنفيذها، فإن الإلحاح لا يخلق تلك القدرة المفقودة. وبالمثل، فإن تكرار الأوامر على الذكاء الاصطناعي غير المناسب قد لا ينتج إلا نسخاً أكثر تفصيلاً من عدم الملاءمة نفسه.
لذلك فإن المسؤولية الأولى للمستخدم هي الاختيار.
النماذج العامة والنماذج المتخصصة
للذكاء الاصطناعي العام قيمة هائلة لأن نظاماً واحداً يمكن أن يساعد في الكتابة والتحليل والبرمجة والتخطيط والترجمة والبحث والعديد من المهام اليومية. وبالنسبة إلى شركة صغيرة، يمكن لهذا الاتساع أن يوفر قيمة اقتصادية كبيرة.
لكن الاتساع له حدود. فقد تمتلك أداة متخصصة واجهات أو تدريباً أو سير عمل أو تكاملات أو ضوابط للمخرجات لا يوفرها نموذج عام. ولهذا قد يكون أفضل سير عمل مزيجاً من نموذج عام قوي مع أداة متخصصة أو أكثر، بدلاً من إجبار نموذج واحد على تقليد منظومة برمجية كاملة.
هذا ليس تكراراً احتياطياً لمجرد التكرار. إنه تقسيم للعمل.
وعلى المستخدم أن يقرر ما إذا كانت المهمة تحتاج إلى نموذج عام، أو متخصص، أو مزيج منهما.
افهم الذكاء الاصطناعي قبل أن تحكم عليه
اختيار النموذج ليس إلا البداية. على المستخدم أيضاً أن يفهم النظام الذي يختبره.
ما أنواع الملفات التي يستطيع فحصها فعلياً؟ ما الأدوات المتاحة ضمن الاشتراك الحالي؟ هل يستطيع التصفح، أو تنفيذ التعليمات البرمجية، أو العمل على الصور، أو توليد الوسائط، أو الاحتفاظ بسياق طويل، أو الاتصال بخدمات خارجية؟ وهل هذه القدرات متاحة في الواجهة المستخدمة، أم أنها موجودة فقط في خطة أو وضع مختلف؟
لا يحتاج المستخدم إلى حفظ دليل تقني كامل. لكن اختبار نظام من دون فهم قدراته الأساسية قد يجعل الاختبار نفسه بلا معنى.
أحياناً ما يبدو كحدّ في النموذج يكون في الحقيقة حداً في الواجهة. وأحياناً يكون حداً في الاشتراك. وأحياناً تكون الميزة موجودة لكنها غير مفعلة في سير العمل. وأحياناً يكون النموذج فعلاً الأداة غير المناسبة.
هذه استنتاجات مختلفة ولا ينبغي خلطها.
الوصول المجاني والمدفوع والاختبار العادل
الكلفة مهمة، خصوصاً للشركات الناشئة والمستخدمين الأفراد. لكن التقييم العادل لا يتطلب شراء كل خطة مدفوعة في السوق.
عندما تتوفر خطة مجانية مفيدة أو تجربة مناسبة، ابدأ بها. اختبر النظام على عمل يمثل احتياجك الحقيقي بدلاً من عروض مصطنعة. تعرّف إلى طريقة استجابته وحدد القيود التي تؤثر فعلياً في المهمة.
إذا كانت الخطة المدفوعة تفتح قدرة مهمة فعلاً للعمل، فقد يكون من المنطقي دفع الحد الأدنى المناسب من الاشتراك مدة تكفي لتقييم النظام بصورة صحيحة. الهدف ليس جمع الاشتراكات، بل تجنب رفض أداة لأن النسخة التي جرى اختبارها لم تكن أصلاً قادرة على تنفيذ سير العمل المطلوب.
وينطبق المبدأ نفسه في الاتجاه الآخر. الاشتراك الممتاز ليس دليلاً على أن النظام هو الخيار الصحيح. إذا كانت أداة أرخص أو مجانية تنجز المهمة المطلوبة بثبات، فإن دفع المزيد لا يجعل سير العمل أذكى.
القيمة تأتي من الملاءمة.
اختبر العمل الذي تحتاج إليه فعلاً
قد تكون الاختبارات المعيارية العامة مفيدة، لكنها لا تعرف وظيفتك الدقيقة.
شركة ناشئة تعمل على مواقع متعددة اللغات، ووثائق تقنية، ونماذج هندسية أولية، وتعديلات برمجية، وبحث ميداني تواجه مسألة تقييم مختلفة عن استوديو فيديو، أو فريق قانوني، أو فصل دراسي، أو مجموعة لعلوم البيانات.
لذلك فإن أفضل اختبار هو عمل ممثل للاستخدام الحقيقي.
أعطِ النموذج مهمة حقيقية لكن مضبوطة. قِس مدى التزامه بالقيود. افحص المخرج الفعلي بدلاً من الاكتفاء بشرحه له. سجّل مقدار التصحيح المطلوب. وقارن السرعة والموثوقية وسهولة الاستخدام وحجم الإشراف البشري اللازم.
قد تكون القيمة العملية لنموذج يعطي إجابة أولى مبهرة ثم يحتاج إلى ساعات من الإصلاح أقل من قيمة نموذج تبدو إجابته الأولى أقل إثارة لكنها تصمد أمام التحقق.
القدرات تتغير، ولذلك تنتهي صلاحية الأحكام القديمة
يتطور الذكاء الاصطناعي بسرعة تكفي لجعل الأحكام الدائمة خطرة.
عبارة «جربت هذا الذكاء الاصطناعي وكان سيئاً» ناقصة من دون تاريخ، واسم نموذج، وخطة اشتراك، ووضع استخدام، ومهمة محددة.
قد يكون النظام قد تغيّر. وقد تكون الميزات قد تغيّرت. وقد يكون النموذج الذي يعمل خلف المنتج قد تغيّر. وقد تصبح قدرة لم تكن موجودة عند الاختبار الأول أمراً عادياً لاحقاً.
هذا لا يعني ملاحقة كل إصدار جديد باستمرار. بل يعني أن القرارات المهمة بشأن الأدوات ينبغي مراجعتها عندما تتغير التقنية الأساسية بصورة جوهرية.
أفضل ذكاء اصطناعي لمهمة معينة هدف متحرك.
ليس مطلوباً من ذكاء اصطناعي واحد أن يفعل كل شيء
هناك توقع غريب يحيط بالذكاء الاصطناعي لا نراه مع معظم التقنيات الأخرى: لأن النموذج يستطيع القيام بأشياء كثيرة، يتوقع المستخدمون منه أن يقوم بكل شيء.
هذا التوقع قد يصنع خيبة غير ضرورية ومخاطر غير ضرورية.
يمكن لنموذج عام أن يساعد في صياغة فكرة فيديو بينما يتولى نظام متخصص إنتاج الوسائط. ويمكن لنموذج أن يكتب التعليمات البرمجية بينما يراجع نموذج آخر عملية النشر. ويمكن لنظام قوي في البحث جمع الأدلة بينما تتولى أداة مختلفة التحليل المنظم. ويمكن للخبراء البشر التدخل حيثما يكون الحكم التخصصي ضرورياً.
ينبغي تصميم سير العمل حول الهدف، لا حول إثبات أن اشتراكاً واحداً قادر على لعب كل الأدوار.
تجنب فخ التشابه
هناك سبب آخر يجعل اختيار الأداة مهماً. إذا اختار الجميع النظام العام نفسه، وأعطوه التعليمة العامة نفسها، وقبلوا أول إجابة، فقد ينتج الذكاء الاصطناعي قدراً كبيراً من التشابه.
تتكرر البنى نفسها. وتتكرر العبارات نفسها. وتتكرر الأفكار الواضحة نفسها. تصبح التقنية أداة لتقريب الفرص، لكنها قد تسطح أيضاً الفروق بين المستخدمين.
هذا ليس حتمياً.
يمكن لشخصين يملكان الوصول إلى الذكاء الاصطناعي نفسه أن ينتجا عملاً مختلفاً جذرياً لأن أحدهما يفهم المجال، ويختار أداة أنسب، ويمزج الأنظمة بذكاء، ويقدم أدلة أفضل، ويرفض المخرجات العامة، ويطبق حكماً مستقلاً.
قد يصبح الوصول إلى الذكاء الاصطناعي أمراً شائعاً. أما معرفة كيفية بناء سير العمل المناسب باستخدامه فهي مهارة مستقلة.
الاختيار مسؤولية بشرية
لا يمكن تحميل الذكاء الاصطناعي كامل المسؤولية عن كونه الاختيار الصحيح أو الخاطئ. هذا القرار يقع في مستوى أعلى من النموذج نفسه.
المستخدم هو من يحدد الهدف، ويقيّم الأدوات المتاحة، ويقرر القدرات المهمة، ويتحمل الكلفة، ويحدد ما إذا كان أداء النظام جيداً بما يكفي.
لهذا ينبغي أن تشمل الكفاءة في الذكاء الاصطناعي أكثر من كتابة الأوامر. ينبغي أن تشمل اختيار الأدوات، وفهم القدرات، والاختبار، والوعي بالكلفة، والاستعداد لتغيير الأداة عندما يتطلب العمل ذلك.
الجزء الثالث: قد يكون المستخدم هو المشكلة
حتى اختيار الذكاء الاصطناعي المناسب لا يضمن نتيجة جيدة.
يمكن إعطاء نموذج قوي هدفاً غامضاً. ويمكن مطالبة نظام برمجة ممتاز بتغيير أشياء كثيرة دفعة واحدة. ويمكن تغذية نموذج بحث قوي بافتراضات ضعيفة. ويمكن تدمير نتيجة أولى صحيحة بسلسلة طويلة من التصحيحات المتناقضة.
وهذا يقودنا إلى الجزء الأخير من هذه السلسلة.
يسأل الجزء الأول إن كان العمل المهم بالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تكرار احتياطي مستقل. ويسأل الجزء الثاني إن كان المستخدم قد اختار الذكاء الاصطناعي المناسب. أما الجزء الثالث فيطرح السؤال غير المريح الذي يبقى بعد تحقق الشرطين:
ماذا لو كان المستخدم هو المشكلة؟
قبل أن تحكم على ذكاء اصطناعي، تأكد من أنك تحكم على الأداة الصحيحة، في الوضع الصحيح، وعلى المهمة الصحيحة. اختيار الأداة ليس منفصلاً عن الكفاءة في استخدام الذكاء الاصطناعي؛ بل هو جزء منها.
