هناك نوع خاص من الصمت يأتي بعد النجاح.
تُلتقط الصور. تُسلَّم الشهادات. ينال المشروع جائزته. يهنئ الأساتذة الطلبة. تفخر العائلات. وربما تخصص مطبوعة محلية بضعة أسطر لما أنجزه هؤلاء المهندسون الشباب.
ثم يأتي التخرج.
وفجأة يصبح سؤال لم يكن يكاد يُطرح أثناء الاحتفال سؤالاً لا يمكن تجاهله:
ماذا يحدث بعد ذلك؟
هذا هو السؤال الذي بقي معنا بعد نقاش استمر قرابة ساعتين مع المهندس المغربي Hamza Kaddouri.
ما بدأ كحديث ودي عن التكوين الهندسي والموهبة وتجربة التخرج في سن مبكرة تحول سريعاً إلى نقاش أعمق. لم يكن حمزة يريد انتقاد جامعته السابقة، ولا التقليل من جهود أساتذته، ولا تقديم نفسه على أنه مخترع لتقنية ثورية.
بل على العكس تماماً.
تحدث باحترام عن الأشخاص الذين شجعوه.
وتحدث أيضاً بمنظور لا يمنحه إلا مرور الزمن.
فبعد أكثر من عقد على إنجاز أحد أهم المشاريع التقنية في سنوات دراسته، ما زال يتساءل كيف يمكن لكل ذلك الجهد والطموح والإمكانات أن يختفي تقريباً مباشرة بعد التخرج.
سؤاله بسيط.
لكن الإجابة عنه ليست بسيطة.
مهندس شاب جداً يسأل: ماذا بعد؟
تخرج حمزة من جامعة خاصة في أكادير.
وهذا التفصيل مهم بالنسبة إليه.
فقد عززت تجربته قناعة ما زال يؤمن بها بقوة اليوم: الموهبة الهندسية المغربية لا يمكن اختزالها في سمعة جامعة، أو مكانة حرم جامعي، أو اسم مطبوع على شهادة.
الموهبة موجودة أبعد بكثير من المؤسسات التي تُعد تقليدياً نخبوية.
والمهم هو ما نُشجِّع الشباب على فعله بتلك الموهبة.
خلال نقاشنا، عاد حمزة مراراً إلى هذه الفكرة.
يمكن لمهندسين شباب أن يكونوا أكفاء وطموحين ومبدعين تقنياً بصرف النظر عن المؤسسة التي درسوا فيها. والسؤال الأهم هو: هل تُتاح لهم فرصة إثبات قدراتهم؟ وإذا أثبتوها، هل يوجد من يساعدهم على الانتقال إلى الخطوة التالية؟
وهنا تحديداً تصبح تجربته الشخصية أكثر دلالة.
في 20 مارس 2012، بدأ حمزة وأربعة من زملائه العمل على مشروع رافقهم خلال جزء مهم من تجربتهم الجامعية.
لم يكن مجرد واجب دراسي.
ولم يكن جزءاً من امتحان تقليدي.
بل تطور ضمن أنشطة جامعية، بتشجيع من أستاذ كان، بحسب حمزة، يتعامل مع المشروع بطموح كبير.
وانتقل ذلك الطموح إلى الطلبة.
وبدؤوا يعتقدون أن ما يبنونه يمكن أن يصبح شيئاً جدياً.
الدفيئة
كانت الفكرة دفيئة ذكية.
وحمزة أول من يقر بأن الفكرة في حد ذاتها لم تكن جديدة.
فالدفيئات المؤتمتة كانت موجودة بالفعل. كما أن مراقبة درجة الحرارة والرطوبة والري وحالة التربة أو المياه لم تكن اختراعاً خاصاً بفريقهم.
كان هدفهم أكثر تحديداً.
أرادوا إنشاء نظام يتيح للمزارع اختيار المحصول، ثم يستخدم الاستشعار والتحكم والأتمتة للمساعدة على الحفاظ على الظروف المناسبة لذلك المحصول.
كان النظام يأخذ في الاعتبار عوامل مثل الري ودرجة الحرارة والرطوبة والرقم الهيدروجيني (pH)، وغيرها، ويستخدم الأتمتة لدعم ظروف زراعة أفضل.
بلغة اليوم، قد نضع مثل هذا النظام تحت مسميات الزراعة الذكية، أو الزراعة الدقيقة، أو التحكم الذكي في الظروف البيئية.
لكن المصطلحات أقل أهمية من حقيقة ما حاول خمسة طلبة شباب جداً إنجازه فعلياً.
كانوا يريدون دمج عدة وظائف تقنية في نظام مادي واحد يعمل بصورة متكاملة.
ولم يتوقفوا عند عرض تقديمي.
بل بنوه فعلاً.
نحو 6,000 دولار من أموالهم الخاصة
هذا الجزء من قصة حمزة يستحق التوقف عنده.
كان الطلبة صغار السن.
وكانوا ما يزالون يدرسون.
ومع ذلك، وبحسب حمزة، استثمر الفريق مجتمعاً نحو 6,000 دولار من أمواله الخاصة في المشروع.
وبالنسبة إلى طلبة في تلك المرحلة من حياتهم، لم يكن ذلك مبلغاً بسيطاً.
كان تعبيراً عن الإيمان بالمشروع.
وكان مخاطرة.
وكان أيضاً من نوع الالتزام الذي تقول الجامعات غالباً إنها تريد تشجيعه لدى المهندسين الشباب.
ومع مرور الوقت، أنجز الفريق نموذج إثبات مفهوم وظيفياً بأبعاد تقارب أربعة أمتار في مترين في ثلاثة أمتار.
لم يكن الأمر تجربة صغيرة فوق طاولة.
كان كبيراً بما يكفي ليصبح منظومة هندسية حقيقية: شيئاً يجب تجميعه، وتوصيل أسلاكه، والتحكم فيه، واختباره، وتصحيح أخطائه، وجعله يعمل كنظام متكامل.
كل من بنى نظاماً مادياً يعرف الفرق الكبير بين بنائه فعلاً وبين وصفه فقط.
على الورق، تتعاون المكونات بصورة مثالية.
أما في الواقع، فقد تتصرف الحساسات بطرق غير متوقعة. تتعطل الوصلات. تنحرف القياسات. تظهر قيود ميكانيكية. تتداخل المكونات فيما بينها. ترتفع التكاليف. تتأخر القطع. ويتصرف البرنامج بصورة مختلفة عندما يتصل فعلياً بالمعدات.
تبدأ الهندسة حقاً عندما تبدأ الافتراضات في مواجهة الواقع.
وهذه التجربة وحدها ذات قيمة.
لقد فازوا
حصل المشروع في النهاية على الجائزة الأولى.
كما جرى تناول المشروع في مطبوعة محلية مرتبطة بالجامعة، يتذكرها حمزة بوصفها العدد رقم 104، الصادر في 27 نوفمبر 2013، تحت المرجع Dépôt 64/94.
بالنسبة إلى مجموعة من الطلبة الشباب، كانت تلك لحظات مهمة.
لقد جرى الاعتراف بعملهم.
وأنتجت الساعات الطويلة شيئاً مرئياً وملموساً.
وأدى استثمارهم إلى نظام يعمل.
وبدا أن ثقة أستاذهم في المشروع كانت في محلها.
من الخارج، تبدو القصة هنا مكتملة.
فريق طلابي يبني نموذجاً أولياً طموحاً.
النموذج يعمل.
يحصلون على التقدير.
يفوزون بجائزة.
تحتفل الجامعة.
يتخرج الطلبة.
نجاح.
لكن قلق حمزة يبدأ تحديداً من النقطة التي تنتهي عندها هذه النسخة من القصة.
بعد التصفيق
ماذا حدث للمشروع؟
هذا هو السؤال الذي طرحه علينا.
لا بغضب.
ولا باتهام.
بل باحترام.
ولكن أيضاً بإحباط شخص عاش بنفسه ما يحدث عندما يصل مشروع أكاديمي إلى حدود المؤسسة التي ساعدت على ولادته.
ما إن تخرج الطلبة حتى انتهى المشروع فعلياً.
لم تكن هناك استمرارية حقيقية.
ولا متابعة منظمة.
ولا مسار واضح نحو تطوير إضافي.
ولا انتقال من نموذج طلابي إلى برنامج تقني أطول أمداً.
وفجأة أصبحت سنوات الجهد جزءاً من الماضي.
ولم يكن سؤال حمزة ببساطة: لماذا لم تتحول دفيئتنا إلى شركة؟
فهذا تبسيط مخل.
معظم النماذج الأولية لا تتحول إلى شركات.
ومعظم الأفكار تحتاج إلى مراجعات كبيرة.
وبعضها يجب التخلي عنه.
وبعضها يثبت أنه ممكن تقنياً لكنه غير ذي جدوى تجارية.
فالنموذج الجامعي ليس منتجاً بصورة تلقائية، والفوز في مسابقة طلابية لا يثبت وجود جدوى سوقية.
وحمزة يدرك ذلك.
السؤال الأهم هو لماذا لم تكن هناك، على ما يبدو، آلية قادرة على تحديد ما الذي كان يمكن لهذا المشروع أن يصبحه.
وماذا لو كانت الإجابة: لا؟
هذا الفرق مهم.
لنفترض أن الدفيئة حصلت على ستة أشهر إضافية من التقييم التقني.
ولنفترض أن متخصصين زراعيين راجعوها.
ولنفترض أن التصميم اختُبر مع مزارعين.
ولنفترض أن مهندسين قيّموا موثوقيته وتكلفته وقابليته للصيانة وقابليته للتصنيع.
ثم لنفترض أن الخلاصة كانت: لا ينبغي لهذا المشروع أن يستمر.
كان ذلك سيظل نتيجة مفيدة.
لكانت هناك دروس مستفادة.
ولفهم الطلبة السبب.
ولراكمت الجامعة معرفة تقنية.
ولكان بإمكان الفريق الطلابي التالي أن يبدأ من نقطة أكثر تقدماً.
أما ما يقلق حمزة فهو احتمال أن المشروع لم يُطوَّر ولم يُرفض.
لقد توقف فقط.
وهناك فرق عميق بين الفشل والاختفاء.
الفشل يمكن أن يعلّم.
أما الاختفاء فلا يعلّم إلا القليل جداً.
مشكلة الظهور والوصول
مع استمرار النقاش، وسّع حمزة الموضوع إلى ما هو أبعد من تجربته الشخصية.
وتحدث عن الظهور والوصول إلى الفرص.
وهذه مشكلة تمس الطلبة والمهندسين الشباب والمطورين المستقلين والعاملين لحسابهم الخاص في مختلف أنحاء المغرب.
قد يبني مهندس موهوب شيئاً مميزاً، ومع ذلك يبقى شبه غير مرئي بالنسبة إلى من يستطيعون تمويله أو اختباره أو تصنيعه أو نشره.
القدرة التقنية لا تخلق الوصول تلقائياً.
قد يعرف طالب كيف يصمم نظام تحكم، لكنه لا يعرف كيف يصل إلى شركة تعمل في القطاع الزراعي.
وقد يبني مستقل نموذجاً أولياً يعمل، من دون أن يعرف كيف يتواصل مع مستثمر.
وقد يكون خريج شاب قادراً تقنياً على تحسين عملية صناعية قائمة، لكنه لا يملك أي صلة بالصناعة التي تحتاج إلى ذلك التحسين.
وهنا يصبح النظام المحيط بالابتكار مهماً بقدر أهمية الابتكار نفسه.
فالتحدي ليس مجرد تخريج مهندسين موهوبين.
المغرب يخرجهم بالفعل.
التحدي هو ألا تبقى الكفاءات منفصلة عن الفرص.
التمويل جزء من المعادلة
تحدث حمزة أيضاً عن التمويل.
فريقه موّل شخصياً جزءاً مهماً من المشروع.
وهذا أظهر التزاماً حقيقياً.
لكنه يكشف أيضاً عن قيد هيكلي.
كم من طالب موهوب يستطيع تحمل التكلفة نفسها؟
وكم من فكرة محتملة الفائدة تختفي قبل أول نموذج أولي لأن الطلبة المعنيين لا يستطيعون ببساطة تمويل المكونات؟
وماذا يحدث عندما يحتاج نموذج أولي ناجح إلى عشرة أضعاف المبلغ حتى يصل إلى المستوى التالي؟
قد يمول حماس الطلبة عدداً من الحساسات.
لكنه لا يستطيع تمويل برنامج تصنيع صناعي.
وقد تبني المدخرات الشخصية نموذج إثبات مفهوم.
لكنها لا تستطيع أن تحل محل منظومة ابتكار.
وهنا يجب أن تلتقي الجامعات والصناعة والمؤسسات العمومية والمستثمرون والهيئات التقنية.
ليست كل المشاريع جديرة بالتمويل.
لكن المشاريع الواعدة جديرة بالتقييم.
وهذا الفرق ينبغي أن يوجّه أي استراتيجية ابتكار جادة.
منسجم مع طموح وطني أوسع
يرى حمزة المشروع أيضاً في سياق الطموح المغربي الممتد لتحديث الزراعة وزيادة توظيف التكنولوجيا في هذا القطاع.
وهذا لا يعني أن دفيئته الجامعية يجب تقديمها على أنها اختراق وطني ضائع.
فهذا غير دقيق.
لم تكن التقنية فريدة، ولا ينبغي المبالغة في قيمة نموذج طلابي لمجرد أنه ينسجم مع هدف وطني أوسع.
لكن المشروع أثبت شيئاً ربما يكون أهم.
كان مهندسون مغاربة شباب يفكرون بالفعل في كيفية تطبيق الأتمتة والاستشعار والمراقبة البيئية وأنظمة التحكم في الزراعة.
كانوا مستعدين للبناء.
وكانوا مستعدين لإنفاق أموالهم الخاصة.
وكانوا مستعدين للتعلم.
وكانوا مستعدين للمخاطرة.
وهذه القدرة ذات قيمة سواء استمرت تلك الدفيئة بعينها أم لم تستمر.
والسؤال هو: كم مشروعاً مشابهاً وُجد منذ ذلك الوقت؟
وكم منها اختفى بالطريقة نفسها؟
الجامعات لا تستطيع حمل العبء كله
سيكون من السهل تحويل هذا النقاش إلى انتقاد للجامعات.
لكن ذلك سيُفوّت جوهر الموضوع.
فقصة حمزة نفسها تتضمن أدلة على أشياء تستطيع الجامعة أن تقوم بها جيداً.
أستاذ شجع الطلبة على رفع سقف طموحهم.
ومؤسسة أتاحت مساحة لعمل تقني موازٍ للدراسة.
وأُعطي الطلبة فرصة للبناء.
وجرى الاعتراف بجهدهم.
وشارك المشروع في المنافسة وفاز.
هذه ليست إخفاقات.
الضعف يظهر عند الانتقال من مرحلة إلى أخرى.
الجامعات مؤسسات تعليمية، ولا يمكن توقع أن تحول كل مشروع طلابي إلى شركة ناشئة، أو أن تحتفظ بكل نموذج أولي إلى أجل غير مسمى، أو أن تمول كل فريق عند التخرج.
والصناعة لا تستطيع تمويل كل فكرة أيضاً.
والبرامج الحكومية لا تستطيع إنقاذ كل مشروع.
والمستثمرون بالتأكيد لا ينبغي لهم تمويل كل ما يفوز بجائزة طلابية.
المفقود ليس دعماً بلا حدود.
المطلوب هو آلية للفرز والاستمرارية.
آلية تسمح بطرح أسئلة مثل: هل يستحق هذا المشروع مرحلة أخرى؟ هل يحتاج إلى دعم بحثي؟ إلى شريك صناعي؟ إلى اختبار ميداني؟ إلى استشارة في الملكية الفكرية؟ إلى توجيه في الأعمال؟ أم أنه وصل بالفعل إلى نهاية عمره المفيد؟
أي واحدة من هذه الإجابات أفضل من الصمت.
الجسر بين التعليم والصناعة
من أقوى الخلاصات التي خرجنا بها من حديثنا مع حمزة أن تحدي المغرب ليس تعليمياً فقط.
إنه تحدي الاستمرارية.
الجامعات تنتج مشاريع.
والمسابقات تكشف المواهب.
والمهندسون الشباب يثبتون قدراتهم.
ثم تنتظر الصناعة في مكان آخر.
وغالباً ما توجد فجوة بين هذين العالمين.
الطالب لا يعرف المصنع.
والمصنع لا يعرف الطالب.
والمستثمر لا يفهم التكنولوجيا.
والمهندس لا يفهم التمويل.
والمشغل الزراعي لا يعرف أن مختبراً جامعياً سبق أن بنى شيئاً ذا صلة بمشكلته.
الجميع موجود.
لكنهم لا يلتقون بالضرورة.
وهذا هو الجسر الذي يهم.
الموهبة ليست هي وجاهة الشهادة
هناك رسالة أخرى في قصة حمزة تستحق أن تُقال بصورة مستقلة.
كان صغير السن جداً عندما حدث كل ذلك.
وكان قادماً من جامعة خاصة في أكادير.
ومع ذلك بنى فريقه شيئاً مهماً بما يكفي لنيل الاعتراف والفوز في مسابقة.
وبالنسبة إليه، أكدت هذه التجربة قناعة ما زال يحملها اليوم: الموهبة ليست حكراً على الجامعات الشهيرة.
المؤسسة المرموقة قد توفر موارد وشبكات وفرصاً استثنائية.
وهذه أمور مهمة.
لكن غياب اسم شهير على الشهادة لا يعني غياب القدرة الهندسية.
ولا يستطيع المغرب أن يبحث عن الموهبة فقط في الأماكن الواضحة والمتوقعة.
قد يدرس بعض أقوى مهندسي المستقبل اليوم في مؤسسات لا تحظى بكثير من الاهتمام.
وقد يتعلم آخرون بصورة مستقلة.
وقد يبني بعضهم مشاريع في مرائب أو ورش صغيرة.
وقد يعمل بعضهم لحسابه الخاص.
وقد يكون بعضهم قد تخرج بالفعل والتحق بوظائف بعيدة تماماً عن تخصصه لأنه لم يجد الجسر بين قدرته التقنية وفرصة استخدامها.
أي منظومة ابتكار لا تعترف إلا بوجاهة المؤسسة أو الشهادة ستفوت حتماً مواهب حقيقية.
وهناك أيضاً مشكلة في التوثيق
ظهرت مشكلة أخرى بصورة غير مباشرة خلال الحديث.
اليوم، وبعد أكثر من عقد، لا يملك حمزة كامل الوثائق التقنية أو المخططات أو سجلات المشروع التفصيلية التي تسمح لنا بإعادة بناء الدفيئة.
وهذا مفهوم.
يتخرج الطلبة.
وتُستبدل الحواسيب.
وتختفي الملفات.
وتتغير المختبرات.
وتتفرق الفرق.
لكن ذلك يطرح سؤالاً مؤسسياً مهماً.
أين تُحفظ ذاكرة الابتكار الطلابي؟
إذا دعمت جامعة مئات المشاريع التقنية على مدى عشرين عاماً، فإن تلك المشاريع تمثل رصيداً كبيراً من المعرفة العملية.
قرارات التصميم.
الإخفاقات.
الشيفرة المصدرية.
الرسومات الميكانيكية.
نتائج الاختبارات.
تقديرات التكلفة.
البيانات التجريبية.
الدروس المستفادة.
حتى المشاريع التي لا تتحول أبداً إلى منتجات يمكن أن تفيد أعمالاً هندسية لاحقة.
لكن ذلك لا يحدث إلا إذا بقيت المعرفة بعد مغادرة الطلبة الذين صنعوها.
أرشيف المشاريع لا ينبغي أن يكون مقبرة.
بل ينبغي أن يكون أساساً للبناء.
ما الذي ينبغي أن يعنيه الاعتراف؟
للجوائز قيمة.
حمزة يتذكر الجائزة الأولى التي فاز بها فريقه.
ويتذكر النشر.
ويتذكر الأستاذ الذي آمن بالمشروع.
ومن الواضح أن تلك اللحظات كانت مهمة.
لكن ربما يحتاج مفهوم الاعتراف إلى تعريف ثانٍ.
الشكل الأول من الاعتراف يقول: لقد أنجزتم عملاً جيداً.
أما الشكل الثاني فيسأل: ماذا نفعل الآن بهذا العمل؟
وهذا سؤال أصعب بكثير.
فهو يتطلب من المؤسسات أن تميز بين الاحتفال والتطوير.
الكأس سهل.
أما استراتيجية الاستمرارية فصعبة.
الاستمرارية تعني التقييم.
والتقييم يعني النقد أحياناً.
ويعني اتخاذ قرار بأن مشروعاً طلابياً محبوباً قد لا يكون قابلاً للاستمرار.
ويعني ربط المهندسين بأشخاص خارج الوسط الأكاديمي.
ويعني السماح للأفكار بأن تواجه عملاء حقيقيين، وبيئات حقيقية، ولوائح حقيقية، وقيوداً اقتصادية حقيقية.
هكذا تنضج الهندسة.
قد يكون المشروع اختفى، لكن السؤال ما زال قائماً
دفيئة حمزة تنتمي إلى مرحلة أخرى من حياته.
وهو لا يطلب منا إحياءها.
ولا يدعي أن المغرب خسر شركة بمليار دولار لأن خمسة طلبة لم يحصلوا على منحة إضافية.
فذلك سيشوّه قصته.
سؤاله أوسع وأكثر فائدة من ذلك.
ماذا يحدث للأعمال الطلابية الواعدة عندما يغادر الطلبة؟
ماذا يحدث للنموذج الأولي بعد المعرض؟
ماذا يحدث للعمل الهندسي بعد المقال الصحفي؟
ماذا يحدث للفريق بعد صور التخرج؟
ماذا يحدث لكل ما جرى تعلمه؟
إذا كانت الإجابة ببساطة: لا شيء، فهذا يعني أن شيئاً مهماً يُفقد.
ليس كل مشروع.
ولا كل نموذج أولي.
ولا كل فكرة.
لكن بعضاً منها، على الأرجح.
وربما، والأهم من ذلك، الأشخاص الذين يقفون وراءها.
ما يحتاجه المهندسون الشباب بعد الجائزة
في نهاية المطاف، جعلنا حديثنا مع Hamza Kaddouri نفكر أقل في دفيئة بعينها وأكثر في الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه منظومة هندسية سليمة.
يحتاج المهندسون الشباب إلى جامعات تتحداهم.
ويحتاجون إلى أساتذة يؤمنون بإمكان تنفيذ مشاريع طموحة.
ويحتاجون إلى مختبرات.
ويحتاجون إلى مسابقات.
ويحتاجون إلى الاعتراف بعملهم.
لكن بعد ذلك، تحتاج أقوى المشاريع إلى باب آخر.
باب إلى الصناعة.
وباب إلى الاختبار.
وباب إلى التمويل.
وباب إلى البحث.
وباب إلى ريادة الأعمال.
وأحياناً حتى باب إلى مراجعة تقنية مهنية تقول للفريق، باحترام ووضوح، إن المشروع يجب أن يتوقف.
لأن المشروع الهندسي لا يحتاج إلى أن يتحول إلى شركة حتى تكون له قيمة.
بل يجب أن ينتج معرفة.
ويجب أن تقود تلك المعرفة إلى مكان ما.
بدأ حمزة وأربعة من زملائه مشروعهم في 20 مارس 2012.
واستثمروا أموالهم الخاصة.
وبنوا دفيئة تعمل.
وحصلوا على الجائزة الأولى.
ورأوا عملهم منشوراً.
ثم تخرجوا.
وبعد أكثر من عقد، فإن أكثر ما بقي بوضوح ليس الآلة.
بل السؤال.
بعد الجوائز، وبعد النشر، وبعد التهاني — ماذا يحدث بعد التصفيق؟
بعد الجوائز، وبعد النشر، وبعد التهاني — ماذا يحدث بعد التصفيق؟